محمد متولي الشعراوي

9502

تفسير الشعراوي

فالجسم يأخذ من الغذاء ما يكفي طاقته الاحتراقية في العمل ، وما زاد على طاقته يُختزَن على شكل دهون يتغذّى عليها الجسم ، حين لا يوجد الطعم ، فإذا ما انتهى الدُّهْن تغذَّى على اللحم ، ثم على العَظْمِ لِيُوفِّر للمخ ما يحتاجه ، فهو السيد في الجسم ، ومن بعده تتغذّى باقي الأعضاء . إذن : كل شيء في الجسم يخدم المخ ؛ لأنه أَعْلَى الأعضاء ، أما النبات مثلاً فيخدم أسفله ، فإذا جَفَّ الماء في التربة ولم يجد النبات الغذاءَ الكافي يتغذى على أعلاه فيذبل أولاً ، ثم تتساقط الأوراق ، ثم تجفّ الفروع الصغيرة ، ثم الجذع ، ثم الجذر . ومن ذلك قول سيدنا زكريا عليه السلام : { قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي واشتعل الرأس شَيْباً . . . } [ مريم : 4 ] فالعَظْم آخر مخزَن للغذاء في الجسم ، فَوهَنُ العظم دليل على أن المسألة أوشكتْ على النهاية . إذن : فقوله تعالى : { فَيَدْمَغُهُ . . . } [ الأنبياء : 18 ] أي : يصيبه في أهم الأعضاء وسيدها والمتحكم فيها ، لا عضو آخر يمكن أنْ يُجبر ؛ لذلك يقول بعدها { فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ . . . } [ الأنبياء : 18 ] زاهق : يعني خارج بعنف . وقوله تعالى : { وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ } [ الأنبياء : 18 ] يعني : أيها الإنسان المغتَرّ بلججه وعناده في الباطل ، ووقف بعقله وقلبه ليصادم الحق ، سنقذف بالحق على باطلك ، فنصيب دماغه فيزهق ، ساعتها ستقول : يا ويلتي كما سبق أنْ قالوا : { قَالُواْ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } [ الأنبياء : 14 ] حينما يباشرون العذاب . ومعنى : { تَصِفُونَ } [ الأنبياء : 18 ] تكذبون كذباً افترائياً ، كما لو رأيت شخصاً جميلاً ، فتقول : وجهه يَصِفُ الجمال ، يعني : إنْ كنت